بين الدبلوماسية والحرب.. البنتاغون يستعد والقرار بيد ترامب

تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مرحلة جديدة من التوتر، مع إعداد وزارة الدفاع الأميركية خيارات عسكرية لاستئناف الضربات ضد أهداف إيرانية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى اتفاق تنهي الحرب محدودة، وسط تمسك الطرفين بمواقفهما وتصاعد التهديدات المتبادلة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن تنفيذ أي عمليات جديدة قد يُرجأ إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فيما يبقى القرار النهائي مرتبطاً بحسابات الرئيس دونالد ترامب السياسية والعسكرية، وتقديراته لتداعيات العودة إلى المواجهة المباشرة.
خيارات هجومية تنتظر قرار البيت الأبيض
أعدت القيادة المركزية الأميركية خططاً لتنفيذ ضربات إضافية ضد أهداف داخل إيران، ووضعت أمام القيادة السياسية مجموعة من الخيارات التي تشمل مستويات مختلفة من التصعيد. وتنتظر هذه الخطط موافقة البيت الأبيض، في حين يواصل البنتاغون دراسة السيناريوهات المحتملة وتقييم متطلباتها العسكرية.
وتتيح الخيارات المطروحة للإدارة الأميركية التحرك ضمن نطاقين رئيسيين؛ الأول يتمثل في استئناف استهداف المواقع العسكرية والمنشآت المرتبطة بالقدرات الدفاعية الإيرانية، والثاني يقوم على توسيع نطاق العمليات لتشمل قطاعات حيوية، من بينها منشآت الطاقة والبنية التحتية.
ويرتبط اختيار أي من المسارين بطبيعة الأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها، ومدى استعدادها لتحمل تبعات تصعيد جديد قد يتجاوز حدود المواجهة الثنائية. كما أن احتمال مشاركة إسرائيل في أي عملية عسكرية من شأنه أن يضيف أبعاداً أخرى إلى الحسابات الأميركية، خصوصاً إذا اتسعت قائمة الأهداف لتشمل منشآت مدنية أو اقتصادية.
وفي الوقت نفسه، لا يعني إعداد الخطط العسكرية أن قرار استئناف الحرب قد اتُّخذ بالفعل، إذ تحتفظ الإدارة الأميركية بهامش للمناورة بين التهديد باستخدام القوة واستمرار الضغوط السياسية والاقتصادية، مع إبقاء الخيارات العسكرية جاهزة في حال تعثر المسار التفاوضي بصورة أكبر.
استهداف العمق الإيراني يطرح تحديات عسكرية
يتمثل أحد أبرز الأسئلة المرتبطة بالخطط الجديدة في طبيعة العمليات التي يمكن أن تنفذها القوات الأميركية داخل الأراضي الإيرانية، ولا سيما بعد أن اتسمت بعض العمليات السابقة بالتركيز على أهداف ساحلية، بدلاً من توسيع الهجمات في العمق الإيراني.
ويعكس هذا النهج، وفق تقديرات متداولة، محاولة للموازنة بين إلحاق أضرار بالقدرات العسكرية الإيرانية وتجنب المخاطر التي قد تواجه الطائرات والقوات الأميركية إذا توسعت العمليات إلى مناطق أكثر تحصيناً.
وتزداد هذه الحسابات تعقيداً عند النظر إلى المنشآت الإيرانية المحصنة، التي أُنشئ بعضها في مناطق جبلية أو تحت طبقات سميكة من الصخور، بما يجعل الوصول إليها أكثر صعوبة حتى باستخدام الذخائر المصممة لاختراق التحصينات.
ومن بين المواقع التي طُرحت في سياق الحديث عن الأهداف المحتملة منشأة جبلية تُعرف باسم «بيكاكس ماونتن»، تقع بالقرب من منشأة نطنز النووية في جبال زاغروس. ويثير الموقع تساؤلات بشأن قدرة الأسلحة الأميركية على بلوغ المنشآت العميقة الموجودة تحته، في ظل طبيعة التضاريس والتحصينات المحيطة بها.
ولا تقتصر المسألة على امتلاك القنابل القادرة على اختراق التحصينات، بل تشمل أيضاً دقة المعلومات الاستخباراتية، وتحديد طبيعة المنشآت المستهدفة، وتقدير الأضرار المحتملة، فضلاً عن احتمال أن تؤدي محاولة استهداف مواقع شديدة التحصين إلى توسيع نطاق المواجهة من دون ضمان تحقيق النتائج العسكرية المطلوبة.
هل تستطيع الضربات الجديدة تغيير حسابات طهران؟
تواجه أي حملة عسكرية جديدة تساؤلات بشأن قدرتها على دفع القيادة الإيرانية إلى تغيير سياساتها أو تقديم تنازلات في المفاوضات. فقد أظهرت المواجهات السابقة أن إلحاق أضرار بالمنشآت العسكرية ومنظومات الصواريخ لا يعني بالضرورة إنهاء القدرات الإيرانية أو تفكيك بنية القيادة السياسية.
وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أعلنت في وقت سابق أن العمليات العسكرية ألحقت أضراراً واسعة بالقدرات الصاروخية الإيرانية وبالقدرات المرتبطة بالصناعات البحرية والطائرات المسيّرة، وقدمت تقديرات مرتفعة بشأن حجم التدمير الذي طال هذه المنظومات. غير أن هذه الأرقام تبقى تقديرات صادرة عن الجانب الأميركي، ولا تكفي وحدها للحكم على قدرة إيران المتبقية على مواصلة العمليات أو إعادة بناء بعض قدراتها.
وتبرز هنا معضلة أساسية أمام واشنطن: فحتى إذا نجحت الضربات في تدمير مزيد من المنشآت أو إضعاف بعض القدرات العسكرية، فإن ذلك لا يضمن أن تتراجع طهران عن مواقفها التفاوضية. وقد يدفعها التصعيد، في المقابل، إلى التشدد أو توسيع نطاق ردها، خصوصاً إذا اعتبرت أن الضغوط العسكرية تستهدف إضعاف قدرتها على الردع.
ومن هذا المنطلق، لا يتعلق القرار الأميركي بحجم الأضرار التي يمكن إلحاقها بإيران فحسب، بل أيضاً بالنتائج السياسية المتوقعة من استخدامها، ومدى إمكانية تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب تفاوضية ملموسة.
ضغوط اقتصادية ومفاوضات تراوح مكانها
تتزامن الاستعدادات العسكرية مع استمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران، في ظل العقوبات الأميركية والتدابير المرتبطة بالحصار البحري. وتراهن واشنطن على أن يؤدي تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المواجهة إلى دفع طهران نحو قبول تسوية تسمح بإنهاء الحرب.
وتشكل الضغوط الاقتصادية جزءاً من استراتيجية أوسع تجمع بين العقوبات والتهديد باستخدام القوة، بهدف التأثير في حسابات القيادة الإيرانية من دون الاضطرار بالضرورة إلى خوض جولة عسكرية جديدة. غير أن فاعلية هذا النهج تظل مرتبطة بمدى استعداد الطرفين لتعديل مواقفهما، وبحجم التنازلات التي يمكن أن يقبلا بها في أي اتفاق محتمل.
وتشير المعطيات إلى أن الخلافات التفاوضية لا تزال عميقة، مع استمرار تمسك طهران بمواقفها ورفضها تقديم تنازلات تراها غير مقبولة. وفي المقابل، تتزايد الضغوط داخل واشنطن للحصول على نتائج واضحة تبرر استمرار العقوبات والإجراءات العسكرية، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأدوات المستخدمة حتى الآن قد حققت الأهداف المعلنة منها.
ويضع هذا الجمود الإدارة الأميركية أمام خيارين متداخلين: مواصلة الضغط الاقتصادي والعسكري أم الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمليات بهدف تغيير موازين التفاوض. لكن اللجوء إلى الخيار الثاني قد يفتح الباب أمام تداعيات يصعب احتواؤها، ولا سيما إذا ردت إيران على نحو يوسع نطاق المواجهة إقليمياً.
الحضور العسكري الأميركي يعزز خيارات التصعيد
تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري كبير في الشرق الأوسط، يضم عشرات الآلاف من العسكريين وعدداً من السفن الحربية، بالتزامن مع استمرار التحركات البحرية المرتبطة بالضغوط المفروضة على إيران.
وتشمل هذه القوات مجموعات ضاربة لحاملات الطائرات، إلى جانب سفن حربية أخرى وتعزيزات من مشاة البحرية والبحارة. وتوفر هذه التشكيلات خيارات عملياتية متعددة للقيادة الأميركية، بدءاً من تنفيذ ضربات جوية وبحرية، وصولاً إلى عمليات أكثر تعقيداً قد تشمل الإنزال البرمائي، إذا صدر قرار سياسي بذلك وتوافرت المتطلبات العسكرية اللازمة.
كما أن وجود هذه القوات في المنطقة يتيح لواشنطن الحفاظ على قدرتها على التحرك السريع، لكنه لا يعني بالضرورة أن استخدامها بات وشيكاً. فالانتشار العسكري قد يؤدي وظيفة ردعية، من خلال إظهار الجاهزية ورفع كلفة أي هجوم محتمل على القوات أو المصالح الأميركية، كما يمكن أن يشكل استعداداً لسيناريوهات التصعيد إذا فشلت المساعي السياسية.
وفي المقابل، يزيد الحضور العسكري الكثيف من أهمية إدارة المخاطر، إذ يمكن لأي اشتباك محدود أو خطأ في تقدير الموقف أن يؤدي إلى مواجهة أوسع، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، إلى جانب أدوار أطراف إقليمية أخرى.
التوقيت السياسي يدخل في حسابات ترامب
يمثل توقيت أي عملية عسكرية جديدة عاملاً مهماً في حسابات الإدارة الأميركية، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وقد يؤثر توقيت الضربات المحتملة في النقاش الداخلي بشأن كلفة الحرب ونتائجها، فضلاً عن انعكاساتها الاقتصادية والأمنية على الولايات المتحدة.
ويتيح تأجيل القرار إلى ما بعد الانتخابات هامشاً إضافياً لتقييم الموقف العسكري والتفاوضي، لكنه لا يضمن أن تختار الإدارة الأميركية التصعيد أو أن تتراجع عنه. فالقرار سيظل مرتبطاً بتطورات الميدان، ومدى استمرار التهديدات المتبادلة، وقدرة الوسطاء على إحياء المسار السياسي.
كما أن توسيع العمليات ضد إيران قد يثير تساؤلات بشأن أهداف الحرب وحدودها الزمنية، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى إضعاف قدرات محددة، أم استخدام القوة لإجبار طهران على قبول اتفاق بشروط أميركية. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة، لأن الأهداف العسكرية المحدودة قد تكون قابلة للتحقق عبر عمليات مركزة، بينما يتطلب تغيير الحسابات السياسية الإيرانية مساراً أكثر تعقيداً ولا يمكن ضمان نتائجه بالقوة وحدها.
تهديدات إيرانية برد أوسع
في المقابل، حذرت طهران من أن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي جديد سيقابل برد أشد من العمليات السابقة، بما يرفع المخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة تتجاوز الضربات المتبادلة المحدودة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التهديد على الأراضي الإيرانية أو القواعد العسكرية الموجودة في المنطقة، إذ يمكن أن تمتد المخاطر إلى المصالح الأميركية والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، تبعاً لطبيعة الرد الإيراني ونطاقه. كما أن أي مشاركة إسرائيلية مباشرة قد تزيد احتمالات اتساع دائرة الأهداف وتعدد الجبهات.
وتتزامن هذه التحذيرات مع مخاوف أمنية أميركية من تصاعد التهديدات التي تستهدف مواطنين ومسؤولين أميركيين في المنطقة. وفي هذا السياق، اتخذت واشنطن إجراءات احترازية شملت توجيه موظفين حكوميين غير أساسيين وأفراد عائلاتهم إلى مغادرة السعودية، وسط مخاوف من تدهور الوضع الأمني واستمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك التهديدات المرتبطة بهجمات الحوثيين المدعومين من إيران.
وتعكس هذه الإجراءات اتساع نطاق الاستعدادات للتعامل مع احتمالات التصعيد، لكنها لا تعني بالضرورة أن هجوماً جديداً بات حتمياً. فالتدابير الأمنية والإجلاءات الاحترازية تُستخدم أيضاً للحد من المخاطر على الأفراد في فترات التوتر، قبل اتضاح مسار الأحداث.
مواجهة مفتوحة على عدة سيناريوهات
تقف واشنطن وطهران أمام مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فالإدارة الأميركية تمتلك خيارات هجومية جاهزة وتواصل الضغط على إيران، لكنها تواجه في الوقت نفسه مخاطر أن تؤدي الضربات الجديدة إلى رد أوسع لا يحقق بالضرورة الأهداف السياسية المرجوة.
أما طهران، فتواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متواصلة، لكنها تؤكد استعدادها للرد على أي هجوم جديد، ما يجعل كلفة التصعيد المحتمل عاملاً أساسياً في حسابات الطرفين.
وبين استمرار الضغوط ومحاولات تحريك المفاوضات والاستعداد لسيناريوهات عسكرية إضافية، يبقى القرار النهائي في واشنطن مرتبطاً بتقدير ما إذا كانت القوة ستقود إلى تسوية بشروط أفضل، أم ستفتح جولة جديدة من المواجهة يصعب تحديد نطاقها أو مدتها. وفي ظل غياب مؤشرات حاسمة على انفراج تفاوضي، تظل المنطقة أمام احتمالات متعددة، يتوقف مسارها إلى حد كبير على القرارات التي ستتخذها الأطراف خلال المرحلة المقبلة.




